ترامب يؤجل التعريفات الجمركية على كندا والمكسيك لمدة شهر
في خطوة غير متوقعة ولكن تحمل في طياتها الكثير من الدلالات، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 مارس 2025 عن تعديل التعريفات الجمركية المفروضة على الواردات من كندا والمكسيك، وذلك بهدف "تقليل الاضطرابات في قطاع السيارات". جاءت هذه التعديلات بعد فرض رسوم جمركية بنسبة 25٪ على البضائع القادمة من الجارتين الشمالية والجنوبية للولايات المتحدة، وهي التعريفات التي دخلت حيز التنفيذ في 3 مارس بعد انتهاء فترة التجميد التي استمرت 30 يومًا منذ الإعلان الأول عنها في فبراير.
لماذا فرضت واشنطن التعريفات الجمركية؟
لم تكن هذه التعريفات مجرد إجراءات اقتصادية بحتة، بل حملت أبعادًا سياسية وأمنية واضحة. ففي 3 مارس، أصدرت البيت الأبيض مذكرة رسمية أكدت أن هذه الخطوة جاءت في إطار "مكافحة التهديد الاستثنائي للأمن القومي الأمريكي"، وأرجعت ذلك إلى ما وصفته بتدفق "غير المنضبط" للمخدرات عبر الحدود الأمريكية من كندا والمكسيك.
وأشار البيان إلى أن "الرئيس ترامب منح كلاً من كندا والمكسيك فرصة كافية للحد من أنشطة الكارتلات الإجرامية والتدفق الهائل للعقاقير القاتلة إلى الولايات المتحدة، ولكن لم يتم اتخاذ الإجراءات الكافية"، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ هذه التدابير القاسية.
ردود فعل غاضبة وتهديدات متبادلة
من الجانب الكندي، جاءت ردة الفعل قوية، حيث أصدر رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بيانًا شديد اللهجة وصف فيه التعريفات بأنها "إجراء غير مبرر على الإطلاق". وأضاف:
"اليوم، وبعد انتهاء فترة التجميد البالغة 30 يومًا، قررت الإدارة الأمريكية المضي قدمًا في فرض تعريفات جمركية بنسبة 25٪ على الصادرات الكندية، و10٪ على المنتجات الطاقية الكندية. أقولها بوضوح: لا يوجد أي مبرر لهذا الإجراء."
لم يقتصر موقف ترودو على الإدانة اللفظية، بل أعلن عن إجراءات مضادة، موضحًا أن كندا ستفرض تعريفات جمركية بنسبة 25٪ على بضائع أمريكية تصل قيمتها إلى 155 مليار دولار، تبدأ بفرض رسوم على بضائع بقيمة 30 مليار دولار فورًا، على أن يتم تطبيق التعريفات المتبقية خلال 21 يومًا.
أما المكسيك، فقد كانت أكثر حذرًا في رد فعلها. حيث أكدت الرئيسة كلوديا شينباوم أن بلادها ستتخذ إجراءات مماثلة ولكنها فضّلت التريث حتى يتم التفاوض مع الجانب الأمريكي. وقالت في تصريح لها:
"لا يوجد سبب أو مبرر يدعم هذا القرار الذي سيؤثر سلبًا على شعبينا واقتصاد بلدينا."
تراجع جزئي ولكن بشروط
بعد ثلاثة أيام فقط من بدء تطبيق التعريفات، أصدرت البيت الأبيض بيانًا جديدًا يؤكد تعديل السياسة الجمركية "اعترافًا بالبنية الخاصة لسلسلة التوريد في صناعة السيارات التي تسعى إلى نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة".
وأشار البيان إلى أن ترامب لا يزال يرى ضرورة اتخاذ "إجراءات مناسبة" من قبل حكومتي كندا والمكسيك، لكنه في الوقت ذاته لا يريد أن تتعرض صناعة السيارات الأمريكية لأضرار جسيمة نتيجة هذه الإجراءات.
وبموجب التعديلات الجديدة، تم تقليص الرسوم على بعض السلع، حيث أصبحت:
25٪ على السلع التي لا تتوافق مع قواعد المنشأ وفق اتفاقية الولايات المتحدة-المكسيك-كندا (USMCA).
10٪ على المنتجات الطاقية الكندية التي لا تستفيد من تفضيلات الاتفاقية.
10٪ على استيراد البوتاس من كندا والمكسيك الذي لا يندرج تحت تفضيلات الاتفاقية.
إعفاء كامل من التعريفات للسلع الكندية والمكسيكية التي تستوفي شروط الاتفاقية.
هدنة مؤقتة أم تأجيل للأزمة؟
رحب المسؤولون في كندا والمكسيك بهذه التعديلات، ولكنهم لم يسارعوا إلى إعلان النصر. حيث كتب وزير المالية الكندي دومينيك ليبلانك على منصة X (تويتر سابقًا):
"وافقت الولايات المتحدة على تعليق التعريفات الجمركية على الصادرات الكندية المتوافقة مع اتفاقية USMCA حتى 2 أبريل. وبناءً على ذلك، لن تفرض كندا المرحلة الثانية من التعريفات على المنتجات الأمريكية بقيمة 125 مليار دولار حتى ذلك التاريخ."
أما الرئيسة المكسيكية، فقد نشرت تغريدة شكرت فيها ترامب وأكدت أن الاتصال بينهما كان "ممتازًا ومحترمًا للغاية"، واصفة التعديلات بأنها "اتفاق جيد جدًا".
هل كان على أمريكا اتخاذ هذه الخطوة؟
الإجابة على هذا السؤال معقدة، فبينما يرى البعض أن هذه الخطوات تمثل محاولة لحماية الاقتصاد الأمريكي وإعادة التوازن في العلاقات التجارية، يرى آخرون أنها مجرد خطوة تصعيدية قد تؤدي إلى حرب تجارية جديدة تعيق النمو الاقتصادي العالمي.
من الناحية الاقتصادية، تسلط هذه الأزمة الضوء على هشاشة سلاسل التوريد الدولية، وخاصة في قطاع السيارات، حيث يعمل أكثر من 4.3 مليون شخص في هذه الصناعة داخل الولايات المتحدة، أي حوالي 1.3٪ من إجمالي السكان الأمريكيين وفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي.
على الجانب السياسي، لا يمكن إنكار أن هذه الخطوة تخدم ترامب داخليًا، حيث إنها تتماشى مع خطابه القومي الذي يركز على "إعادة العظمة لأمريكا". فمن خلال تبني موقف صارم تجاه الشركاء التجاريين، يسعى ترامب إلى تعزيز شعبيته بين القاعدة الانتخابية التي تؤمن بسياسات الحماية الاقتصادية.
إلى أين ستتجه الأمور؟
لا تزال الأمور غير محسومة، فرغم التعديلات الأخيرة، فإن كلاً من كندا والمكسيك تعيدان النظر في خياراتهما، وسط تهديدات مستمرة بإجراءات انتقامية إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي ظل هذه التطورات، تبقى الشركات والمستهلكون في حالة ترقب، حيث إن أي تصعيد إضافي قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وتعطل سلاسل الإمداد، وربما إلى موجة جديدة من التوترات الاقتصادية التي قد تؤثر على الاقتصاد العالمي برمته.
فهل ستنجح واشنطن في تحقيق أهدافها من هذه الحرب التجارية، أم أن هذه الخطوات ستكون مجرد بداية لأزمة أكبر؟ الأيام القادمة وحدها ستكشف الحقيقة!
رؤية الغد تتابع الحدث
إرسال تعليق